الذكاء الاصطناعي في الإعلام والإرشاد السياحي بين التطور التقني والخبرة الإنسانية
الإعلامي والكاتب الصحفي
عبدالله عبدالهادي بخاري
مسؤول العلاقات العامة والتسويق والإعلان
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية
مرشد سياحي
الثلاثاء 8/1/1448هـ الموافق 23/06/2026
في عصر التحول الرقمي المتسارع، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التقنيات الحديثة التي فرضت حضورها في مختلف مجالات الحياة، وانتقل تأثيره من المختبرات العلمية إلى ميادين العمل والإنتاج والخدمات. ولم يعد الإعلام والإرشاد السياحي بمنأى عن هذا التطور، بل أصبحا من أكثر المجالات استفادة من التطبيقات الذكية التي تسهم في معالجة المعلومات وتحليل البيانات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للجمهور والزوار.
ولم يظهر الذكاء الاصطناعي بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة رحلة طويلة من التطور العلمي والتقني. فقد بدأت هذه الرحلة بوسائل العد والحساب البسيطة، ثم تطورت إلى الآلات الحاسبة التي سهلت العمليات الرياضية، ثم ظهرت الحواسيب الإلكترونية التي أحدثت نقلة نوعية في حفظ المعلومات ومعالجتها. ومع تطور قدرات الحواسيب وازدياد حجم البيانات وانتشار شبكة الإنترنت، ظهرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت قادرة على معالجة كميات ضخمة من المعلومات واستخلاص الأنماط والمؤشرات التي تساعد الإنسان في أداء مهامه بصورة أكثر سرعة وكفاءة.
ومن الناحية العلمية لا تعد الآلة الحاسبة أو الحاسوب التقليدي ذكاءً اصطناعيًا، إلا أنهما يمثلان الأساس التقني الذي مهد الطريق لظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة. فالآلة الحاسبة تنفذ أوامر محددة مسبقًا، بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي التعامل مع البيانات وتحليلها وإنتاج نتائج تعتمد على الأنماط والمعلومات المتاحة له.
ويُعرف الذكاء الاصطناعي بأنه مجموعة من الأنظمة والبرامج الحاسوبية المصممة لمحاكاة بعض القدرات المرتبطة بمعالجة المعلومات والتعلم من البيانات والتعرف على الأنماط، بهدف مساعدة الإنسان على أداء بعض المهام بصورة أكثر فعالية. وهو في جوهره أداة تقنية متقدمة صممها الإنسان لخدمة الإنسان.
وفي المجال الإعلامي أصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة في إعداد المحتوى وتحليل البيانات وتلخيص الوثائق ودعم الترجمة والتدقيق اللغوي وتنظيم المعلومات. كما أسهم في تسريع إنتاج المحتوى الرقمي وتحسين القدرة على الوصول إلى المعلومات والتعامل مع الكم الهائل من البيانات المتدفقة يوميًا.
أما في مجال الإرشاد السياحي، فقد ساعد الذكاء الاصطناعي على تطوير وسائل التعريف بالمواقع السياحية والتراثية، وإعداد البرامج والجولات السياحية، وتوفير المعلومات الأولية للزوار بلغات متعددة، إضافة إلى دعم التسويق السياحي وتحليل اهتمامات الزوار بما يسهم في تحسين التجربة السياحية ورفع مستوى الخدمات المقدمة.
وتنسجم هذه التطورات مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي جعلت التحول الرقمي والابتكار التقني من الركائز الأساسية للتنمية. وقد أولت المملكة اهتمامًا متزايدًا بمجالات البيانات والذكاء الاصطناعي من خلال تطوير البنية الرقمية وتعزيز الاستفادة من التقنيات الحديثة في مختلف القطاعات، ومنها الإعلام والسياحة، بما يسهم في رفع جودة الخدمات وتعزيز التنافسية وتحقيق التنمية المستدامة.
ورغم ما يقدمه الذكاء الاصطناعي من مزايا كبيرة، فإنه لا يخلو من بعض التحديات. فالمعلومات التي ينتجها تحتاج إلى المراجعة والتحقق، كما أن دقته تعتمد على جودة البيانات المتاحة له. لذلك فإن الاعتماد عليه بصورة كاملة دون تدقيق أو مراجعة قد يؤدي إلى أخطاء أو معلومات غير دقيقة، خصوصًا في المجالات التي تتطلب التوثيق والتحقق من المصادر.
ومن هنا يبرز التساؤل الذي يشغل كثيرًا من المهتمين: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محل الإعلامي أو المرشد السياحي؟
إن الواقع العملي والعلمي يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع أن يحل محل الإنسان بصورة كاملة، لأنه لا يمتلك الخبرة الإنسانية ولا التجربة الميدانية ولا القدرة على فهم المشاعر والقيم والثقافات كما يفعل الإنسان. فالإعلامي لا يقتصر دوره على كتابة الخبر أو نقل المعلومة، بل يتجاوز ذلك إلى التحقق والتحليل والتفسير وتحمل المسؤولية المهنية والأخلاقية. كما أن المرشد السياحي لا يقتصر دوره على تقديم المعلومات، بل يمثل صورة وطنه وثقافته أمام الزوار، ويتعامل مع المواقف الإنسانية والظروف المتغيرة التي تحتاج إلى خبرة وتقدير وحسن تصرف.
ومن هذا المنطلق فإن الذكاء الاصطناعي لا يغني عن العقل البشري، بل يعمل تحت إشرافه وتوجيهه. كما أنه لا يغني عن الجهد البشري، وإنما يسهم في دعمه واختصار جزء من الوقت والجهد المبذول في الأعمال الروتينية أو المتكررة. أما الإبداع والابتكار والحكم على الأمور وتحمل المسؤولية واتخاذ القرار النهائي فتبقى من اختصاص الإنسان.
إن المستقبل لا يتجه نحو استبدال الإنسان بالآلة، وإنما نحو تعزيز التكامل بينهما. فكلما أحسن الإنسان توظيف التقنية واستفاد من إمكاناتها، ازدادت قدرته على الإنجاز وتحسين جودة عمله. ولذلك فإن العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإعلام والإرشاد السياحي ليست علاقة تنافس أو تضاد، بل علاقة تكامل تهدف إلى خدمة الإنسان وتحسين جودة المعرفة والخدمات.
وخلاصة القول أن الذكاء الاصطناعي يمثل مرحلة متقدمة من مراحل التطور التقني، وأن الاستفادة منه في الإعلام والإرشاد السياحي أصبحت ضرورة مهنية في عصر التحول الرقمي. غير أن هذه الاستفادة ينبغي أن تقوم على الوعي والمسؤولية والتوازن، بحيث تبقى التقنية أداة داعمة للإنسان، ويبقى الإنسان صاحب الخبرة والرؤية والقرار.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)








.jpg)
.jpg)




