أنتِ لستِ وحدَكِ.. وهٰذا الفؤادُ يراكِ
(رسالةُ بَوحٍ، ودليلُ صَبرٍ، ومَلاذُ روحٍ لأمِّ الابنِ التّوحّدِيّ)
الكاتبة/
أ.خديجه سليمان الهلالي.
ماجستير تربوي
أنتِ لستِ وحدَكِ.. وهٰذا الفؤادُ يراكِ
إلى قلبِكِ حينَ يَفاضُ بهِ الكَيل.. يا سَيِّدَةَ الصَّبْرِ الجَمِيل
دعيني نَبدأُ من حَيثُ لا يَجرؤُ أحَدٌ أن يتكلّم.
من تلك اللحظةِ المظلمةِ، بعدَ ساعتينِ متواصلتينِ من صُراخٍ لا يُفهمُ سببه، وبُكاءٍ يمزّقُ سكونَ البيتِ دونَ خريطةِ دلالة. اللحظةِ التي يَصلُ فيها الاحتراقُ النفسيُّ إلى ذروَتِه، فتجلسينَ على الأرض، تَسندينَ رأسَكِ المجهَدَ إلى الجدار، وتتمنّينَ في سرّكِ –بضعفٍ بشريٍّ صَفَحَ اللهُ عنه– لو أنّكِ لم تُخلَقي، لو أنّكِ لم تتزوّجي، لو لم تُصبِحي أُمّاً.
تتمنّينَ، في لحظةِ عجزٍ قاسية، لو يموتُ ابنُكِ قبلَكِ كي لا يترَدّى تحتَ رحمةِ خلقٍ لا يرحمون، أو يتسلّلُ إلى ذهنِكِ ذلك الخاطرُ الثقيل: "لو كانَ الموتُ أخذَ ابني وبَقِيَ ذاكَ القريبُ العزيز ذو العائلةِ لكانَ خيراً للجميع!".. ثم يرتدّ إليكِ بصَرُكِ بالندم، وتكرهينَ نفسَكِ وتشعُرينَ بذنْبٍ يَعتصرُ قلبَكِ: "كيفَ لِأُمٍّ أن تُفكّرَ بهٰذا؟!"
يا أطهرَ القلوبِ.. ويا أُمَّ المَلاَكِ المُمَيَّز، هوني على نفسكِ!
هٰذا ليسَ قسوةً منكِ، ولا جحوداً، بل هو "الإنهاكُ النفسيُّ الحادّ" في أقصى صُوَرِه. إنه سُقوطُ الجَسَدِ والرّوحِ تحتَ وَطأةِ حملٍ يَهتزُّ لهُ الجبل. هٰذهِ لحظةُ ضعفٍ بَشريّةٍ محضَة، واللّٰهُ سبحانه وتعالى لا يُؤاخذُ القلوبَ حينَ تُجمِعُ عليها آلامُ الدّنيا وتطبِقُ على أنفاسِها.
ولَعَلّ ما يُعمّقُ هٰذا الاحتراقَ يا صديقتي، ويَجعلُ الرّوحَ تئنّ تحتَ وطأتِهِ كُلَّ يَوْم، هو أَنّكِ لا تُواجِهِينَ تَعَباً عابِراً يُداويهِ نَوْمٌ أو ارْتِياح، بل تَبْنِينَ جِسْراً يَوْمِيّاً في فَضاءٍ صامِت؛ إذ إن الأمَّ تَسْتَطِيعُ الصَّبْرَ على طفلِها الطبيعيّ حينَ يَمرَض، لأنّهُ يبكي ويقول: "رأسي يُؤلمُني" أو "أنا خائف". تُعالجهُ وتَربِتُ على كَتفِه وهي على يقينٍ أن جهدها هذا وتعبها ما هو إلا أزمةٌ وستمر؛ أمّا أنتِ يا مُتَرْجِمَةَ القُلُوب؟ فأنتِ تقفينَ حيرةً أمامَ ابنٍ يعِيشُ في كوكبٍ آخر؛ يمرُّ بطفولتِه ومراهقتِه وبُلوغِه، يُعاني المشاعرَ والخوفَ والجوعَ والألمَ والتغيّراتِ الهرمونيّة، لكنّهُ لا يَملكُ لُغةً لِيَشرَح!
ولذا أنتِ مُطالبةٌ يوميّاً بالغوصِ في عالَمِه، وتفكيكِ شفراتِ لُغتهِ التي لا تُفهم، دونَ كُتبِ تَرجمةٍ أو قواميس. تعيشينَ توتّراً دائمًا، وهشاشةً نفسيّةً، وقلقاً لا يهدأ من نوباتِ غضبِه، أو جهلِ المجتمع، أو حَيرتكِ في تعليمِه مهاراتِ الاعتمادِ على النّفس، ومبادئِ الخصوصيّةِ والحمايةِ الشخصيّةِ التي تخافينَ عليهِ منها في كُلِّ ثانية.
فأنتِ يا حَارِسَةَ الرُّوحِ تَعِيشينَ المَرَارَةَ أضعافاً؛ لأنّكِ تَحملينَ هَمَّ "الآن"، وهَمَّ "الغَد":
مَن سَيَرعاهُ بعْدي؟
مَن سَيَتحمّلُ نَوْبَاتِهِ إِذَا المَوْتُ غَيَّبَنِي؟
مَن يَمْلِكُ سَيْفاً لِلدِّفَاعِ عَنْهُ.. وَدِرْعاً لِحِمَايَتِهِ مِنْ جَهْلِ العَوَالِمِ الأُخْرَى بعالَمِه؟
إنّ هٰذهِ الأفكارَ التي تُؤرّقُ مَضجَعَكِ لَيلاً هي أصدقُ بَسماتِ الأمومةِ وأوجَعُها. لأنكِ حينَ تَلتَفِتِينَ حَوْلَكِ، طالِبَةً يَدَ عَوْنٍ تَشُدُّ على كَتِفِكِ في هٰذا الظّلامِ المُسْتَبِدّ، لا تَجِدِينَ للأسَفِ سِوى جِدارٍ صَلْد.. إذ لا يَقِفُ الأمرُ عندَ حُدودِ المَنزلِ وأوجاعِهِ الدّاخِليّة، بل يَخرجُ لِيَصْطَدِمَ بمُجتَمَعٍ قاسي النَّظَرَات، لا يَرْحَم!
الكلُّ من حولكِ يرتدي رداء "الخبير". هٰذا يوجّهُ لكِ اللّوم الخفي ظنّاً منه أنك لم تبحثي عن الأفضل لحالته طبياً، وهٰذهِ تدّعي أنّكِ أهملتِ تربيته ولم تجتهدي أكثر في تغييرِهِ للأفضل، وتلكَ تظنُّ أنه مجرّد ابنٍ "مُدَلّل". يستسهلونَ إلقاءَ الأحكام، كأنّهم أطبّاءٌ واستشاريّون، ولو وُضِعَ أحدُهُم في مَكانكِ ساعةً واحدةً من نَهار، لَانهارَ وتَداعى!
هكذا قسوةُ المُرآةِ الاجتماعية.. والأيادي الفارغة؛ حتى إن أقرب الناس يتخلّى؛ كم من أبٍ هربَ وبنى حياةً هادئةً جديدة فارّاً من المسؤولية! وكم من أُمٍّ باتت تُراجِعُ أسرَتَها وتَرجوهُم كي يَتحمّلوا ابنَها لساعة، أو يرافقوها به لا إلى المستشفى لحاجةٍ طارئةٍ فحسب، بل حتى في نُزهةٍ بسيطةٍ لتغييرِ الجَوّ والتّرفيهِ عنه كبقيّةِ إخوتِهِ وسائرِ البَشَر! فالخُروجُ به ليسَ فسحةً روتينِيّةً كما تفعلُ أيُّ أُمٍّ مع طفلِها الطبيعيّ تجلسُ لتستريح؛ الخُروجُ في حقيقَتِهِ لدى أمّ الابنِ التوحّديّ هو عمليّةٌ شاقّة وحالةُ استنفارٍ دائم؛ بينَ رَكْضٍ مُستمرٍّ لحمايتِهِ، ومُتابعةٍ لصيقةٍ لحركاتِه، ومحاولةٍ دؤوبةٍ لفكّ شفراتِ رغباتِه ومنعِ انزعاجِهِ من الأشياءِ حولَه، وهو مجهودٌ بَدنِيٌّ ونفسِيٌّ جَبّار لا تستطيعُ خوضَهُ وحدَها دونَ عَوْنٍ وسَنَد.
تجدِينَ نفسَكِ بينَ مطرقةِ مراكز التأهيلِ التي تطالبُكِ بإعطائِه مهدئات، وسِندانِ الأطبّاء الذين يرونَ أنه يحتاج صبراً وتعديلَ سلوك.. وتظلّينَ أنتِ التائهة بين ارتفاعِ الأسعار، ونقصِ البرامج التأهيلية للمراهقين والشباب، وغياب المعلوماتِ الموثوقةِ للمستقبل. لا أحدَ يقدّمُ عوناً فعلياً يا بَطلَةَ الخَفَاء. لا أحدَ يسألُكِ: "كيفَ حالُكِ أنتِ؟"، لا أحدَ يفرّغُ من وقتِه ليقول: "دعِ ابنَكِ معي ساعةً لتتنفّسي هواءً نقيّاً خارجَ أسوارِ التوحّد". بل يتركونكِ لمواجهةِ نظراتِ "التقزّز" لتصرّفات طفلكِ الغريبة حين أكله أو شربه أو لعبه، ويمارسون "الشفقة المسمومة" عليكِ لمعاناتكِ معه في المناسباتِ والأماكنِ العامة، حتّى آثرتِ العُزلةَ وحاصرتِ روحَكِ بينَ أربعةِ جُدران.
غيرَ أنّه.. وإنْ غابَ خَلْقُ الأرْضِ، فَرَبُّ السَّماءِ حاضِرٌ لا يَغِيب.
يا حبيبةَ الرّحمن.. افهمي هٰذهِ الحقيقةَ جيّداً: اللهُ لا يَظلم، ولا يَضعُ أصعبَ المَعارِكِ إلاّ لأقوى الجُنود. أنتِ لستِ كأيّ أُمّ. أنتِ الأمّ الخارِقَة وذات الامتيَازِ الخاصِّ من الله، حُمّلتِ أمانةً تعجزُ جبالٌ عن حملِها. أنتِ تستطيعينَ ما لا يستطيعون، ولِهٰذا بالتحديد.. اختارَكِ اللهُ أنتِ.
دَعِي قَلْبَكِ يَتَنَفَّسُ صُبْحاً دَافِئاً مَعَ نسائمِ بشاراتٍ لِطافٍ من حبيبِكِ المصطفى ﷺ؛ فقد أتَتْهُ يوماً امرأةٌ أُنْهِكَ جَسَدُها بالبَلاءِ وكانت تُصرَعُ وتتكشّف، فقالت: *"ادْعُ اللَّهَ لِي"، فَخَيَّرَهَا النّبيّ ﷺ بَيْنَ الدّعاءِ بالفَرَجِ المَعْجَل، أو ما هو أَعْظَمُ شَأْناً وَأَبْقَى: «إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ»! فَمَا تَرَدَّدَتْ بِلَحْظَة، وقالت: "بَلْ أَمْكُثُ وَأَصْبِرُ وَلِيَ الجَنَّة". اتّخذت القرار الصعب، تحمّلت المَرَض المباشر في جَسدِها لأنّ الثمنَ هو الجنة. وأنتِ.. تصبرينَ على ابتلاءٍ في أحَبّ النّاسِ إليكِ، قرّة عينكِ، وأنتِ تكابدينَ تعب البدنِ وألم القلب، فكيفَ سيكونُ أجركِ عندَ ملكِ الملوك؟!
وَلا يَقِفُ الجُودُ النَّبَوِيُّ هُنا، بَلْ انْظُرِي كَيْفَ بَشَّرَ الصَّابِرِينَ حِينَ قالَ لِرَجُلٍ كَانَ يَلْزَمُهُ ابنٌ لَهُ يُحبُّه حبّاً جمّاً فَمَاتَ، فَافْتَقَدَهُ النبيّ ﷺ وسأل عنه، فلمّا علِمَ بحزنه قال له: «أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ لا تَأْتِيَ بَاباً مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ إِلاَّ وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ عِنْدَهُ يَفْتَحُهُ لَكَ؟!».. فَتَأَمَّلِي هٰذا المَشْهَدَ المَهَاب؛ فلذة كبدكِ، ابنُكِ التوحّديّ هٰذا، بصَفَائِهِ وَنَقائِهِ، الذي لا يَعي ذنباً ولا يَحفظُ إثماً، سيكونُ غداً شَفيعَكِ، يمسكُ بيدِكِ المَجهَدةِ عند أبوابِ الجنّة ليقول: "يا ربّ.. هٰذهِ أُمّي التي صَبَرَتْ عليّ، أدخِلها معي!"
فَحِينَ يَضِيقُ بكِ الكَوْنُ يا أُخْتاه، وَتَتَسَاقَطُ دُمُوعُكِ سِرّاً فِي ظَلامِ اللَّيلِ العَمِيق، لا تَجْعَلِي الصَّبْرَ كَلِمَةً مُجَرَّدَة، بل ارْتَمِي فِي أَحْضَانِ مَنْ خَلَقَكِ وَخَلَقَ هٰذا الفُؤَادَ الجَرِيح؛ أَلَيْسَ هُوَ القَائِلُ لِنَبِيِّهِ وَلَكِ مِنْ بَعْدِهِ: ۞ ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ۞؟! إنّكِ لَسْتِ مَتْرُوكَةً في مهبّ الريح، بَلْ أنتِ تَحْتَ رِعَايَةِ اللهِ وَعَيْنِهِ في كُلِّ نَوْبَةِ بُكَاءٍ، وَفِي كُلِّ سَاعَةِ إِرْهَاق. أَلَيْسَ هُوَ القَائِلُ سُبْحَانَهُ: ۞ ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ۞؟! هُوَ يَعْلَمُ نَشِيجَكِ الخَفِيَّ وَيَسْمَعُ زَفَرَاتِ صَدْرِكِ قَبْلَ أنْ تَتَفَوَّهِي بِهَا. فَالْجَئِي إِلَيْهِ وَوَثِّقِي رَجَاءَكِ؛ فَإنَّ القَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدْ وَعَدَ وَوَعْدُهُ الحَقّ: ۞ ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ۞.. كُلُّ خَيْبَةِ أَمَل، كُلُّ نَظْرَةِ تَنَمُّر، كُلُّ ثَانِيَةِ رَكْضٍ وَسَهَر.. تُصَبُّ في مِيزَانِكِ صَبّاً بِلا عَدٍّ ولا حِسَاب.
وَلكِ في أبياتِ الشِّعرِ مَرفأٌ يَشهَدُ بِعظَمَتِكِ:
لَكِ اللَّهُ يَا أُمَّاً تَذُوبُ وتَحْتَرِقْ ... لِيُشْرِقَ فِي عَيْنَيِ الصَّغِيرِ السَّنَا والأَلَقْ
تَكُمِّينَ جُرْحَكِ فِي الظَّلامِ صَبُورَةً ... وَيَلْمَسُ رَبُّ العَرْشِ قَلْبَكِ إِذْ نَعَقْ
فَلا تحْزَنِي إِنَّ العَطَاءَ بَقَدْرِهِ ... ومَنْ يَغْرِسِ الآلامَ فِي الصَّبْرِ يُعْتَنَقْ
همسةٌ أخيرة.. يا سَفِيرَةَ العَالَمِ الصَّامِتِ والأُمَّ الأسطوريّة
(انوي في كلّ ثانيةٍ من جهادِكِ اليوميّ أنها رِباطٌ في سبيل الله، وخدمةٌ لروحٍ طاهرة اختارَكِ اللهُ لِرِعايتِها)
عزيزتي أُمَّ الابنِ التّوحّدِيّ..
كلّما شعرتِ أنّ طاقتكِ نَفِدَت، وأنّ العَالَمَ يضغطُ على صدرِكِ، وأنّ ابنَكِ يصرخُ وأنتِ تعجزين.. تذكّري دائماً:
أنّكِ بَشَر: ومن حقّكِ أن تضعفي، وتَبكي، وتمرّي بفترات ضيق؛ فاللهُ سبحانه يعلمُ سِرّكِ وعلانيتكِ، ورحمتهُ وسِعَت كلّ شيء، ولم يطالبكِ بأن تكوني صخرةً لا تتألم.
أنّ عملَكِ عِبادَة: كلّ دقيقة تقضينها في ترجمةِ عالَمِ ابنِكِ، وكلّ صبرٍ على نوبةِ غضب، هو جهادٌ ونِيّةٌ صالحة تُرفَعُ لكِ في عليّين.
أنّ المَلاذَ هو الله: وِدَاعَةُ ابنِكِ عندَ اللهِ أرحَمُ عليهِ منكِ، واكتفي باللّجَأِ إليه، فالمُستقبلُ بيدِ من يملكُ السّمواتِ والأرض.
أنتِ صانعة المعجزات الصامتة، أنتِ القوية، العظيمة، والمُختارة.
ارفعي رأسكِ.. واكتفي بالله، فإنّكِ بِأَعيُنِه.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)
.jpg)


.jpg)







.jpg)






.jpg)





