بين انجلاء الليل وإشراقة اليقين... حكاية انتصارٍ في المعركة الصامتة
الإعلامي / خضران الزهراني
في هدوء الصباح، وبعد انجلاء الليل الدامس، كنتُ مستلقيًا أرقب ميلاد يومٍ جديد. كانت السماء تتخفف من عباءة الظلام شيئًا فشيئًا، بينما تتسلل خيوط الفجر برفقٍ إلى الأفق، كأنها تبشر الأرض بأن النور لا بد أن ينتصر مهما طال الليل.
وفي تلك اللحظة الهادئة، لم أكن أتابع شروق الشمس فحسب، بل كنت أعيش شروقًا آخر في أعماقي. فقد أدركت أن ما يحدث في الكون كل صباح يشبه تمامًا ما يحدث في النفس البشرية؛ فالظلام لا يرحل دفعةً واحدة، بل يتراجع أمام أول خيطٍ من النور، وكذلك الوساوس لا تنهزم فجأة، وإنما تتلاشى كلما أشرق الإيمان في القلب وازداد يقين العبد بربه.
كنتُ قد خرجت لتوي من معركةٍ صامتة، لا يسمع ضجيجها أحد، ولا يرى جراحها أحد. معركة بين وساوس الشيطان ونور الإيمان، بين رغبات النفس وصوت الضمير، بين لحظة ضعفٍ عابرة وإرادةٍ تبحث عن النجاة.
تأملت المشهد طويلًا، وسألت نفسي: كم من ليلٍ ظن صاحبه أنه لن ينتهي؟ وكم من همٍّ حسبه الإنسان أثقل من أن يزول؟ ثم جاء الفرج من حيث لا يحتسب، وانكشف الغمام كما ينكشف الليل أمام الفجر.
إنها سنة الله في الحياة؛ فلا ظلام يدوم، ولا حزن يبقى، ولا وسوسة تنتصر على قلبٍ عامرٍ بذكر الله. فكلما اشتدت العتمة، اقترب الفجر. وكلما ضاقت النفس، اتسعت برحمة الله. وكلما حاولت الوساوس أن تسلب الإنسان طمأنينته، أعاده اليقين إلى بر الأمان.
وحين يرفع المؤمن كفيه إلى السماء، ويستعين بخالقه، ويقرأ المعوذتين بقلبٍ حاضر، يشعر أن شيئًا من السكينة يتسلل إلى روحه، وأن أبواب النور تُفتح له من حيث لا يشعر. عندها يدرك أن القوة ليست في مقاومة العالم، بل في مقاومة النفس حين تميل، وفي الثبات عندما تشتد الفتن.
وما أجمل أن يردد المؤمن:
يا نفسُ صبرًا إنَّ دربَ الحقِّ مُنتَصَرْ
فالنورُ يسطعُ مهما أحاطَ بنا الخَطَرْ
والشيطانُ مهما زيَّنَ الأوهامَ مُجتهدًا
يبقى ضعيفًا إذا ما أقبلَ البَصَرْ
قرأتُ ذكرَ اللهِ فانجابتْ وساوِسُهُ
كأنَّها لم تكنْ يومًا ولم تَثُرْ
ما خابَ عبدٌ إلى الرحمنِ مُلتجئًا
ولا استغاثَ به قلبٌ ولا انكَسَرْ
إن أعظم الانتصارات ليست تلك التي يراها الناس، بل تلك التي تحدث في أعماق الإنسان حين يهزم خوفه، ويكسر ضعفه، ويعود إلى ربه بقلبٍ صادق. هناك تُولد الطمأنينة، وهناك يشرق اليقين، وهناك يكتشف الإنسان أن النور كان دائمًا أقرب إليه مما يظن.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)








.jpg)
.jpg)




