المطبق… حين كانت صلاة الفجر تصنع أجمل الذكريات
المدينة المنورة/ الإعلامي والكاتب الصحفي /عبدالله عبدالهادي بخاري
الخميس 9 محرم 1448هـ الموافق 25 يونيو 2026م
المناسبة
استذكار ذكريات من الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة قبل أكثر من أربعين عامًا، حين كانت بساطة الحياة تصنع أجمل الذكريات.
لم تكن المدينة المنورة قبل أكثر من أربعين عامًا كما هي اليوم؛ فقد كانت الحياة أكثر هدوءًا وبساطة، وكانت المطاعم قليلة تُعد على أصابع اليد، وتتركز أغلبها حول المنطقة المركزية، كما كانت أصناف الطعام محدودة، ولم تكن المطابخ العربية والعالمية والآسيوية والأوروبية قد انتشرت بالصورة التي نراها اليوم. وكانت الأكلات الشعبية هي سيدة المائدة، يتقدمها المطبق الذي أصبح علامة مميزة من علامات المدينة المنورة، وارتبط في ذاكرة أهلها بأجمل الذكريات.
ومن أجمل تلك الذكريات التي لا تزال تنبض بالحياة في وجداني أن والدي - رحمه الله رحمة واسعة - كان يحرص على تشجيعي أنا وإخوتي على صلاة الفجر في المسجد النبوي الشريف، وكان يدرك بحكمته أن التربية الحقيقية تقوم على الترغيب قبل الترهيب، وعلى القدوة الحسنة قبل كثرة التوجيه، فكان يقول لنا بكل حب: “هيا إلى صلاة الفجر، وبعد الصلاة سنذهب إلى محل الفت للمطبق.”
كانت تلك الكلمات كافية لأن نستيقظ مبكرين بكل شوق، فنتهيأ للصلاة، ثم نسير مع والدنا إلى المسجد النبوي الشريف، لنؤدي صلاة الفجر في رحابه الطاهرة، في مشهد يملؤه الإيمان والسكينة والطمأنينة. وما إن تنتهي الصلاة حتى تبدأ رحلة أخرى لا تقل جمالًا، رحلة ارتبطت في ذاكرتنا بطعم المطبق وبحب الوالد وحنانه.
وكنا نتجه إلى محل الفت للمطبق، وهو من أشهر محال المطبق في المدينة المنورة آنذاك، وكان يقع داخل سوق الحبابة وبجوار سوق الزل، بينما كان سوق المناخة قريبًا من تلك المنطقة التي كانت تعج بالحركة والنشاط منذ ساعات الصباح الأولى. وكان محل الفت مقصدًا لأهالي المدينة وزوارها، لما عُرف به من جودة المطبق وحسن إعداده.
ولم تكن الأسواق مجرد أماكن للبيع والشراء، بل كانت جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للمدينة المنورة، ففيها يلتقي الناس، وتتجسد معاني الألفة والمحبة. وما زلت أتذكر محل هب الريح المتخصص في بيع الأبواب ومستلزماتها، فقد كان من المحال المعروفة في تلك المنطقة، وكلما مر اسمه بخاطري عادت إليَّ تفاصيل تلك الأيام الجميلة.
وكان موقع محل الفت قريبًا من مبنى البريد المركزي القديم، وفي الجهة القريبة من مصليات العيد، وهي المواقع التي أصبحت اليوم ضمن ساحات المسجد النبوي الشريف بعد مشروعات التوسعة المباركة، فتغيرت الملامح، وبقيت الذكريات.
وبعد أن نشتري المطبق، كنا نسلك طريق المطار القديم، الذي يُعرف اليوم باسم طريق الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، حفظه الله وأطال عمره، وأدام عليه الصحة والعافية، وحفظه من كل سوء ومكروه، متجهين نحو جبل الخزان، بالقرب من قصر الغوني، وبجوار منتزه رغدان، حيث كانت المزارع تمتد في تلك الجهات، وكانت برك المياه الزراعية تنتشر بينها، وهي البرك التي كان أطفال ذلك الجيل يستمتعون بالسباحة فيها، وهي تقارب في مفهومها ما يُعرف اليوم بالمسابح.
وهناك، بين النخيل والمزارع وصفاء الهواء، كنا نقضي أجمل ساعات الصباح، نستمتع بالجلوس مع الوالدين، وبالسباحة في برك المياه، وبالحديث والضحكات التي كانت تملأ المكان. ولم يكن المطبق بالنسبة لنا مجرد وجبة شعبية، بل كان رمزًا لرحلة أسرية متكاملة، بدأت بصلاة الفجر، واستمرت بالمحبة والاجتماع، وانتهت بذكريات لا تزال تسكن القلب.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود، تغيرت معالم المدينة المنورة، واتسعت طرقها، وتبدلت أسواقها، واختفت كثير من المزارع والبرك القديمة، وأصبحت مواقع كثيرة جزءًا من النهضة العمرانية التي تعيشها المدينة المباركة، لكن الذكريات الصادقة بقيت ثابتة، لا تغيرها السنوات، ولا تمحوها الأيام.
لقد أدركت مع مرور العمر أن والدي - رحمه الله - لم يكن يأخذنا لتناول المطبق فحسب، بل كان يربي فينا حب الصلاة، ويغرس في نفوسنا قيمة الاجتماع الأسري، ويعلمنا أن أجمل لحظات الحياة قد تكون في أبسط صورها، إذا اجتمع فيها الإيمان، والمحبة، وصلة الرحم.
ومن هنا، فإن رسالتي إلى كل أب وأم هي أن يصنعوا لأبنائهم ذكريات جميلة، فالأطفال قد ينسون كثيرًا من الألعاب والهدايا، لكنهم لا ينسون موقفًا صادقًا، أو رحلة أسرية، أو كلمة طيبة، أو لحظة عاشوها مع والديهم. فالذكريات الجميلة هي الإرث الحقيقي الذي يبقى بعد رحيل الإنسان.
الرسالة
غرس القيم الإيمانية والأسرية في نفوس الأبناء من خلال القدوة الحسنة، وصناعة الذكريات الجميلة التي تبقى أثرًا خالدًا.
الرؤية
المحافظة على الذاكرة الاجتماعية للمدينة المنورة، وتعزيز دور الأسرة في بناء الأجيال، وربط الأبناء بدينهم، ووطنهم، وتراثهم.
الأهداف
* توثيق جانب من الحياة الاجتماعية في المدينة المنورة قبل أكثر من أربعين عامًا.
* إبراز مكانة المطبق في الذاكرة الشعبية.
* بيان أثر صلاة الفجر في بناء شخصية الأبناء.
* إبراز الدور التربوي للوالدين في صناعة الذكريات الجميلة.
* المحافظة على الموروث الاجتماعي والإنساني للمدينة المنورة.
الخلاصة
قد تتغير المدن، وتتبدل الطرق والأسواق، وتختفي المزارع، لكن الذكريات التي بُنيت على الإيمان، والمحبة، وصلة الرحم، تبقى حية في القلوب. وما أجمل أن يترك الآباء والأمهات لأبنائهم إرثًا من المواقف الصادقة واللحظات الجميلة، فهو إرث لا يقدر بثمن، ويبقى أثره ممتدًا عبر الأجيال.
رحم الله والديّ رحمة واسعة، وجزاهما عني وعن إخوتي خير الجزاء، وأسأل الله أن يحفظ أخواتي الغاليات، فهن بقية عطر الوالدين وامتداد ذكراهما الطيبة، وأن يديم علينا نعمة المحبة والألفة وصلة الرحم، وأن يجمعنا جميعًا في الفردوس الأعلى.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)



.jpg)
.jpg)
.jpg)








.jpg)
.jpg)




