حكاية صفارة غيرت تاريخ كاس العالم 2026م
فانتازيا / محمود قريش
في مباراة الأرجنتين والجزائر، كانت البداية ساخنة. وفي إحدى اللقطات بين ميسي وقائد الجزائر ماندي، لم ينجح ميسي في الوصول إلى الكرة، فوصل إلى قدم ماندي بتدخل عنيف من الخلف، حتى كاد يحول قدم (ماندي إلي كبسة) قبل أن يحول الكرة إلى هجمة. لقطة رآها كثيرون تستحق بطاقة حمراء مباشرة، والجماهير كانت تنتظر الحكم وهو يمد يده إلى جيبه... لكن يبدو أن الجيب دخل في "وضعية الطيران": لا صفارة، ولا بطاقة، ولا حتى إنذار، وكأن شيئًا لم يكن. يومها طبّق الحكم حكمة القردة الثلاثة بحذافيرها: لا أرى، لا أصفر، لا أنذر.
سألني صديقي عبد الجبار: أين الـVAR؟ قلت له: يبدو أنهم خرجوا في مشوار، أو أخذوا استراحة قهوة مع قليل من الكافيار، لذلك رفعوا شعار تلك الليلة: "شاهد... ما شافش حاجة"، خاصة عندما يكون بطل اللقطة أحد نجوم اللعبة الكبار.
ومن تلك اللحظة، بدا وكأن ميسي حصل على وثيقة تأمين ضد المفاجآت التحكيمية. لعب بأريحية، وتحرك بثقة، وكأن صافرة البداية كانت تقول له: "كمل... الأمور تحت السيطرة". فعاد يوزع الكرات، ويراوغ، ويستحضر ذكريات الزمن الجميل، قبل أن يوقع أول هاتريك في البطولة، بينما الجزائر تدفع فاتورة لقطة لم تنتهِ عند حدود التدخل، بل امتدت آثارها إلى نتيجة المباراة.
الأرجنتين احتفلت، والجماهير صدحت بما يشبه أغنية التراث السعودي: "يا أبو ثلاثة... سرى الليل يا أبو ثلاثة"، وميسي اعتلى صدارة الهدافين، وتحول إلى عريس الليلة. لكن في الجهة الأخرى بقي سؤال يرفض مغادرة المدرجات: هل كانت المباراة ستنتهي بالطريقة نفسها لو خرجت البطاقة الحمراء في وقتها؟
طبعًا... الحسرة حاضرة، والدموع ليست دموع "عيون وقحة"، بل عيون ترى أن شيئًا ما لم يكن عادلًا. لأن بطاقة حمراء في ثلثي الشوط الأول ليست مجرد بطاقة؛ أحيانًا تكون الزر الذي يغيّر خريطة المباراة بأكملها. كانت الأرجنتين ستكمل اللقاء بعشرة لاعبين، وتخسر قائدها لمباراتين بسبب الإيقاف، وتتبدل الحسابات من أولها إلى آخرها.
في النهاية، كرة القدم لعبة التفاصيل، لكن يبدو أن بعض التفاصيل تأتي أحيانًا مع سيناريو جاهز. وبين من يرى أن الحكم أخطأ، ومن يعتقد أن اللقطة لا تستحق الطرد، هناك من يرى أن الخطأ لم يكن مجرد سوء تقدير، بل قرارًا غيّر مسار البطولة. وإذا كان ما حدث في 2022 قد أثار التساؤلات، فإن تكرار الجدل في 2026 وحول ميسي بالذات– بحسب أصحاب هذا الرأي – يجعل الصدفة تبدو وكأنها تعمل ساعات إضافية.
وإذا كنت تؤمن بأن كرة القدم تحولت إلى صناعة بمليارات الدولارات، وأن البث والرعاة والإعلانات والمراهنات أصبحت جزءًا من المشهد، فقد يخطر ببالك أن الحكم ليس سوى آخر من يظهر على المسرح... بينما يبقى المخرج الحقيقي خلف الستار. يدفع ميسي للمقدمة أما الحصيلة، فقد بدت وكأن مشروع "اللاعب الأعظم" يمضي بخطى ثابتة. سجل هنا، وحطم رقمًا هناك، وأضاف رقمًا قياسيًا جديدًا كلما احتاجت القصة إلى فصل أكثر إثارة. أصبح ميسي الهداف التاريخي لكأس العالم، وصاحب أطول سلسلة تهديف، والأكثر انتصارًا، والأكثر قيادة، والوحيد الذي سجل في جميع أدوار البطولة... حتى كأن كتاب الأرقام القياسية قرر أن يكتفي باسم واحد ويوفر على نفسه عناء كتابة بقية الصفحات.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ حتى الأهداف من خارج منطقة الجزاء وجدت صاحبًا جديدًا للرقم القياسي، وتحطم رقمًا صمد أكثر من نصف قرن كان ينتظر من يأتي ليطيح به. ثم جاءت الكرتان الذهبيتان في كأس العالم لتكتمل المجموعة، وكأن الجوائز هي الأخرى أبت إلا أن تستقر في العنوان نفسه.
ولم يبقَ سوى رقم صناعة الأهداف لمعادلة أو تجاوز دييغو مارادونا، وعندها لن يتفاجأ أحد إذا أعلنت الإحصاءات يومًا أن ميسي كان أيضًا مسؤولًا عن ضبط ساعة الحكم، واختيار لون الكرة، وربما تحديد حالة الطقس يوم المباراة!
ويبقى السؤال الذي لا تنهيه صافرة، ولا تحسمه الإحصاءات: من يصنع تاريخ البطولات حقًا؟ هل تكتبه عبقرية النجوم فوق المستطيل الأخضر؟ أم أن بعض الصفارات، وبعض القرارات، تترك في الهامش سطورًا لا تقل أثرًا عن الأهداف نفسها؟ ذلك سؤال سيظل يرافق كل بطولة.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية
.jpg)



.jpg)










.jpg)


.jpg)




.jpg)

