سِدَانَةُ الفِرْدَوْسِ.. حِينَ يَحْنُو الشَّيْبُ عَلَى الهَرَمِ
إِلَى العَائِشَةِ بِشَيْبٍ كَرِيمٍ؛ تَحْرُسُ هَرَمًا عَظِيمًا
كَظِلٍّ فِي هَجِيرِ الكِبَرِ
بِقَلَمِ: مُحِبٍّ غَابِطٍ لِأَهْلِ البِرِّ
الكاتبة/
أ. خديجه سليمان الهلالي
تَتَسَارَعُ خُطَى الحَيَاةِ بِنَا، نَرْكُضُ فِي دُرُوبِ السَّعْيِ نُكَابِدُ عَيْشَنَا، نَخُوضُ مَعَارِكَنَا اليَوْمِيَّةَ، وَنَنْشَغِلُ بِتَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا وَتَدْبِيرِ شُؤُونِنَا، بَيْنَمَا نَتْرُكُ أُمَّنَا وَرَاءَنَا مُطْمَئِنِّينَ رَاضِينَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ فِي تِلْكَ الدَّارِ الهَادِئَةِ سَدًّا مَنِيعًا لِتَقْصِيرِنَا، وَرُوحًا عَظِيمَةً نَذَرَتْ نَفْسَهَا لِتَكُونَ ظِلًّا وَارِفًا لِأُمِّنَا مِنْ هَجِيرِ الكِبَرِ وَلَهِيبِ العَجْزِ. وَحِينَ أَخْطُو دَاخِلَ تِلْكَ العَتَبَاتِ، يَقِفُ قَلْبِي حَائِرًا مُتَأَمِّلًا أَمَامَ مَشْهَدٍ تَخْتَلِطُ فِيهِ مَشَاعِرُ الشَّجَنِ وَالإِكْبَارِ؛ أُخْتِي الحَبِيبَةُ الَّتِي تَجَاوَزَتِ السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهَا وَأَنْهَكَتِ الأَيَّامُ جَسَدَهَا وَأَلَمَّتْ بِهِ الأَسْقَامُ، تَنْحَنِي بِرِفْقٍ وَصَبْرٍ لِتَعْتَنِيَ بِأُمِّنَا الَّتِي جَاوَزَتِ التِّسْعِينَ عَامًا.. مَنْظَرٌ تَرْتَجِفُ لَهُ المَشَاعِرُ دَهْشَةً وَخُشُوعًا؛ تَرَى الشَّيْبَ فِي قَسَمَاتِ وَجْهِ أُخْتِي، وَتَرَى الهَرَمَ قَدْ أَثْقَلَ أُمِّي، فَلَا تَكَادُ تَعْلَمُ مَنْ يَحْمِلُ أَلَمَ مَنْ، وَمَنْ يَفِيضُ بِالرِّعَايَةِ عَلَى مَنْ!
أَقِفُ أَمَامَ لَوْحَةٍ تَخْتَصِرُ مَعَانِيَ التَّضْحِيَةِ وَالإِيثَارِ؛ أَرَاهَا عَايِشَةً هُنَاكَ مَعَ أُمِّنَا، تَسْكُبُ مَا تَبَقَّى مِنْ صِحَّتِهَا وَعَافِيَتِهَا عِنْدَ قَدَمَيْ وَالِدَتِنَا.. مَشْهَدٌ يَمْتَزِجُ فِيهِ الأَلَمُ بِالجَلَالِ؛ شَيْبٌ يَحْنُو عَلَى هَرَمٍ، وَضَعْفٌ يَنْتَصِرُ عَلَى عَجْزٍ، فَلَا تَدْرِي حَقًّا أَيُّ الجَسَدَيْنِ يُبَلْسِمُ جِرَاحَ الآخَرِ، وَمَنْ مِنْهُمَا أَحْوَجُ إِلَى يَدٍ تَمْسَحُ عَنْهُ وَعْثَاءَ الكِبَرِ!
إِنَّ فِي الحَلْقِ لَغُصَّةً وَأَنَا أَرَى تَعَبَ أُخْتِي، غَيْرَ أَنَّهَا غُصَّةٌ مُغَلَّفَةٌ بِغِبْطَةٍ لَا حَدَّ لَهَا؛ فَمَعَ سَعَادَتِي أَنَّ أُخْتِي عَايِشَةٌ لِتَرْعَى أُمَّنَا وَتَعْتَنِيَ بِهَا وَكَأَنَّهَا تُظِلُّهَا مِنْ لَهِيبِ العَجْزِ وَشَمْسِ الكِبَرِ، أَعْلَمُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِي أَنَّ أُخْتَنَا – بِرُوحِهَا المَرِحَةِ، وَعِشْقِهَا لِلْحَيَاةِ، وَحِسِّهَا الفُكَاهِيِّ الَّذِي يَمْلَأُ المَجَالِسَ بَهْجَةً – كَانَتْ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَى الرَّاحَةِ وَالتَّرْوِيحِ عَمَّا تُكَابِدُهُ، غَيْرَ أَنَّ بِرَّ أُمِّنَا طَوَّقَ قَلْبَهَا وَحَبَسَ رَغَبَاتِهَا، لِتَظَلَّ أُخْتِي عَايِشَةً فِي مِحْرَابِ طَاعَتِهَا قَائِمَةً عَلَى خِدْمَتِهَا، مُتَقَلِّدَةً ذَلِكَ الوِسَامَ القُرْآنِيَّ الخَالِدَ الَّذِي قَرَنَ الإِيمَانَ بِالإِحْسَانِ فِي أَصْدَقِ بَيَانٍ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۞ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
وَلَا يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ حَجْمَ ذَلِكَ الجِهَادِ الخَفِيِّ؛ فَحِينَ يَخْبُو بَرِيقُ الذَّاكِرَةِ وَتَغْزُو غُيُومُ الزَّهَايْمَرِ عَقْلَ أُمِّنَا الحَبِيبَةِ، لِتَتَكَرَّرَ الأَسْئِلَةُ فِي الدَّقِيقَةِ الوَاحِدَةِ مَرَّاتٍ وَمَرَّاتٍ، وَتَشْتَعِلَ نَوْبَاتُ الغَضَبِ وَالاعْتِرَاضِ بِلَا عِلَّةٍ، تَقِفُ أُخْتِي شَامِخَةً كَالجَبَلِ الأَشَمِّ؛ تُدَرِّبُ قَلْبَهَا عَلَى التَّصَابُرِ إِنْ نَفِدَ الصَّبْرُ، وَتُلْزِمُ نَفْسَهَا الحِلْمَ إِنْ عَزَّ الاحْتِمَالُ. أُخْتِي عَايِشَةٌ مَعَ أُمِّنَا تَرْعَاهَا صِحِّيًّا وَنَفْسِيًّا وَجَسَدِيًّا، تَخُوضُ مَعْرَكَتَهَا الصَّامِتَةَ وَحْدَهَا، تَنْهَزِمُ تَارَةً أَمَامَ الضَّعْفِ البَشَرِيِّ الطَّبِيعِيِّ، لَكِنَّهَا تَعُودُ لِتَنْتَصِرَ بِالاحْتِسَابِ وَاليَقِينِ، مُحَقِّقَةً الحِكْمَةَ العَرَبِيَّةَ الأَثِيلَةَ: «لَيْسَ البِرُّ أَنْ تُعْطِيَ وَالِدَيْكَ مِنْ فُضُولِ وَقْتِكَ، بَلِ البِرُّ أَنْ تَبْذُلَ لَهُمَا زَهْرَةَ عُمْرِكَ، وَتَصْبِرَ عَلَى تَبَدُّلِ طِبَاعِهِمَا بِصَدْرٍ رَحْبٍ، وَتَصْبِرَ عَلَى طُفُولَتِهِمَا الثَّانِيَةِ بِقَلْبٍ رَحِيمٍ وَوَجْهٍ صَبُوحٍ»، وَمُسْتَحْضِرَةً قَوْلَ الشَّاعِرِ:
أَحِنُّ إِلَى أُمِّي وَإِنْ طَالَ عُمْرُهَا ❖ وَأَفْدِي ثَرَاهَا بِالفُؤَادِ وَبِالدَّمِ
وَأَخْفِضُ فِي رِفْقٍ جَنَاحَ مَوَدَّةٍ ❖ لِشَيْبٍ كَرِيمٍ فِي الحَيَاةِ مُعَظَّمِ
وَكَمْ يَفِيضُ الفُؤَادُ شَجَنًا حِينَ تَنْقَلِبُ مَوَازِينُ الرِّعَايَةِ الفِطْرِيَّةِ؛ فَتَصِيرُ الِابْنَةُ أُمًّا تَرْعَى أُمَّهَا وَتَغْمُرُهَا بِحَنَانٍ لَا يَنْضَبُ، مِصْدَاقًا لِلْمَثَلِ السَّائِرِ: «إِذَا هَرِمَ الوَالِدَانِ عَادَا طِفْلَيْنِ، وَطُوبَى لِمَنْ رَعَى طُفُولَتَهُمَا بِقَلْبِ الوَالِدِ المُشْفِقِ»! فَحِينَ تَضْطَرُّ أُخْتِي لِلْخُرُوجِ فِي سُوَيْعَاتٍ خَاطِفَةٍ لِزِيَارَةٍ نَادِرَةٍ أَوْ حَاجَةٍ لَا مَنَاصَ مِنْهَا، يَضْطَرِبُ بَالُ أُمِّنَا، وَلَا يَفْتُرُ هَاتِفُهَا عَنِ الرَّنِينِ بِلَهْفَةِ طِفْلٍ تَائِهٍ يَخْشَى أَلَّا تُدْرِكَهُ أُمُّهُ، وَبِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ شَوْقًا وَكَأَنَّهَا تَقُولُ: «أُمِّي، مَتَى سَتَعُودِينَ يَا أُمِّي؟!».
عِنْدَ تِلْكَ النُّقْطَةِ، تَتَصَاغَرُ كُلُّ أَعْمَالِنَا، وَأَشْعُرُ بِرَغْبَةٍ عَارِمَةٍ فِي تَقْبِيلِ جَبِينِ أُخْتِي وَإِخْبَارِهَا بِمِلْءِ الصَّوْتِ: كَمْ نَحْنُ مُمْتَنُّونَ لَكِ وَكَمْ نَغْبِطُكِ! إِنَّ أُخْتِي عَايِشَةٌ تَقِفُ عَلَى ثَغْرٍ عَظِيمٍ وَأَجْرٍ جَزِيلٍ، وَمَا نَبْذُلُهُ نَحْنُ لَيْسَ إِلَّا وَمْضَةً عَابِرَةً أَمَامَ شَمْسِ بِرِّكِ الَّتِي لَا تَغْرُبُ، أَوْ قَشَّةً فِي بُسْتَانِ عَطَائِكِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ، أَوْ قَطْرَةً فِي بَحْرِ جُودِكِ الَّذِي لَا يَنْضَبُ؛ بِرُّنَا تَحْكُمُهُ الظُّرُوفُ وَتَقْطَعُهُ شَوَاغِلُ الحَيَاةِ، بَيْنَمَا أُخْتِي عَايِشَةٌ هُنَاكَ فِي رِبَاطٍ دَائِمٍ وَسَدٍّ مَنِيعٍ لِتَقْصِيرِنَا، كَنَهْرٍ جَارٍ يَتَدَفَّقُ حُبًّا وَوَفَاءً:
تَحْنُو عَلَيْهَا كَأُمٍّ بِالرِّضَا بُعِثَتْ ❖ وَالشَّيْبُ فِي شَعْرِهَا نُورٌ وَإِحْسَانُ
تُعْطِي الفُؤَادَ بِلَا مَنٍّ وَلَا كَلَلٍ ❖ كَأَنَّهَا لِبُلُوغِ الخُلْدِ بُسْتَانُ
إِنَّنَا نُدْرِكُ أَنَّ مَشَاغِلَ الحَيَاةِ وَبُعْدَ المَسَافَاتِ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ المَقَامِ الَّذِي تَقِفِينَ عَلَيْهِ، ذَلِكَ المَقَامِ الَّذِي حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ فَوَاتِهِ وَتَضْيِيعِ أَجْرِهِ فَقَالَ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ». وَلَعَلَّ اللهَ سُبْحَانَهُ، بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، قَدْ عَلِمَ أَنَّ أُخْتِي أَهْلٌ لِذَلِكَ فَاخْتَصَّهَا بِهِ، قَدْ عَلِمَ نَقَاءَ سَرِيرَتِهَا وَقُوَّةَ عَزْمِهَا فَاصْطَفَاهَا بِهَذَا الشَّرَفِ العَظِيمِ وَهَيَّأَ لَهَا أَسْبَابَ هَذَا الفَوْزِ لِتَكُونَ لَنَا الشَّفِيعَ فِي تَقْصِيرِنَا وَالتَّاجَ الَّذِي نُزَيِّنُ بِهِ رُؤُوسَنَا، وَكَمَا قِيلَ فِي الأَثَرِ: «بِرُّ الوَالِدَيْنِ عِنْدَ الكِبَرِ دَيْنٌ مُعَجَّلٌ، لَا يُوَفَّقُ لِلْوَفَاءِ بِهِ إِلَّا صَفْوَةُ الأَبْرَارِ».
هِيَ لَا تَعْلَمُ كَمْ نَحْنُ مُمْتَنُّونَ لَهَا، وَكَمْ نَحْنُ مُمْتَنُّونَ لِأَنَّهَا عَايِشَةٌ فِي حَيَاتِنَا قَبْلَ أَنْ تَكُونَ عَايِشَةً فِي حَيَاةِ أُمِّنَا. بَلْ نَقِفُ وَقْفَةَ إِجْلَالٍ وَاحْتِرَامٍ لِكُلِّ أُخْتٍ وَأَخٍ يَقِفُونَ مُرَابِطِينَ عَائِشِينَ عِنْدَ أَقْدَامِ الوَالِدَيْنِ فِي خَرِيفِ العُمْرِ: أَنْتُمْ صَفْوَةُ الأَوْفِيَاءِ، وَسَادَةُ الفَضْلِ وَالمِنَّةِ. لَا يَحْزُنْكُمُ انْشِغَالُ المَشْغُولِينَ، وَلَا يُثْقِلَنَّ نُفُوسَكُمْ قِلَّةُ المُعِينِينَ؛ فَأَنْتُمْ فِي رِبَاطٍ مُقَدَّسٍ، وَأُجُورُكُمْ مَوْفُورَةٌ عِنْدَ رَبٍّ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. فَاصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا فَثَمَّ الجَنَّةُ، فَأَنْتُمْ عَلَى خَيْرٍ وَإِلَى خَيْرٍ.
أُخْتِي الحَبِيبَةُ.. عَايِشَةً فِي قُلُوبِنَا أَنْتِ، وَدَعَوَاتُنَا تُرَافِقُكِ دَوْمًا:
اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ العَطَاءِ، كَمَا جَعَلْتَ أُخْتِي غَيْثًا وَظِلًّا لِأُمِّنَا فِي هَرَمِهَا، فَاجْعَلْ لَهَا مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَاشْرَحْ صَدْرَهَا، وَبَارِكْ فِي صِحَّتِهَا وَعَافِيَتِهَا وَرُوحِهَا الطَّيِّبَةِ، وَاجْزِهَا عَنَّا وَعَنْ أُمِّنَا الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى مِنَ الجَنَّةِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَاجْعَلْ كُلَّ مَا تُكَابِدُهُ رِفْعَةً فِي مَوَازِينِهَا وَنُورًا يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهَا يَوْمَ تَلْقَاكَ
ماجستير تربوي.
صحيفة شبكة نادي الصحافة الإلكترونية

.jpg)
.jpg)


.jpg)







.jpg)






.jpg)





